حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

50

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

واحتمل أن يكون قوله لِلسَّائِلِينَ متعلقا بقوله وَقَدَّرَ أي قدّر فيها الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها وهم في الاحتياج سواء . وقيل : إنه متعلق بمحذوف كأنه قيل : هذا الحصر والبيان لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها ، لأن اليهود سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك . قوله ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي توجه بداعي الحكمة بعد خلق الأرض لا دحوها إلى خلق السماء ، وقد مر في أول « البقرة » . قوله وَهِيَ دُخانٌ ذكر أصحاب الأثر وجاء في أوّل توراة اليهود أن عرش اللّه قبل خلق السماوات والأرض كان على الماء فأحدث في ذلك الماء سخونة فارتفع زبد ودخان ، أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق اللّه منه الأرض ، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق اللّه منه السماوات . وزعم المتكلمون أن اللّه سبحانه خلق الأجزاء التي لا تتجزأ فكانت مظلمة عديمة النور ، ثم ركبها وجعلها سماوات وكواكب وشمسا وقمرا وأحدث صفة الضوء فيها فحينئذ صارت مستنيرة فصحت تسمية تلك الأجزاء قبل استنارتها بالدخان ، لأنه لا معنى للدخان إلا أنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور . واعلم أن ظاهر قوله ثُمَّ اسْتَوى يدل على أن خلق السماء متأخر عن خلق الأرض وقد جاء مثله في آيات أخر . وفي الآثار ، إلا أن الواحدي نقل في البسيط عن مقاتل أنه قال : خلق اللّه السماء قبل الأرض فتأوّل الآية بأن لفظة كان مضمرة أي ثم كان قد استوى كما في قوله تعالى إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ [ يوسف : 77 ] أي إن يكن يسرق . وزيف بأن الجمع بين « ثم » الدال على التأخر وبين إضمار « كان » الدال على التقدم جمع بين النقيضين . ويمكن أن يجاب بأن « ثم » هاهنا لترتيب الأخبار . وقال الإمام فخر الدين الرازي : المختار عندي أن تكوين السماء مقدم على تكوين الأرض والخلق الوارد في الآية بمعنى التقدير كقوله خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] فإن إيجاد الموجود محال . فمعنى الآية أنه قضى بحدوث الأرض في يومين أي حكم بأنه سيحدث كذا في مدة كذا . قلت : لو لم يكن قوله تعالى وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها إلى قوله أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لكان هذا التأويل له وجه . وقال بعض الصوفية : خلق أرض البشرية في يومي الهواء والطبيعة وهما من الأنداد ، وجعل لها رواسخ العقل من فوقها لتستقر بها ، وبارك فيها بالحواس الخمسة ، وقدر فيها أقواتها من سائر القوى البشرية في تتمة أربعة أيام يعني في يومي الروح الحيواني والطبيعي ، ثم استوى إلى سماء القلب وهي دخان نار الروحانية فقضى سماء القلب أطوارا سبعة كقوله وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [ نوح : 15 ] أوّلها الوسوسة ثم الهواجس ثم الرؤية ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [ النجم : 11 ] ثم الحكمة « ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه » ثم ظهور المغيبات ثم المحبة ثم التجلي في يومي الروح والإلهام